أحمد كمال كامل يكتب .. عندما “يلهو” الموت..!!

مع اختيال الشمس في أعالي السماء بعد الإشراق، بموازاة صباح شتوي بديع، ذهب “عبدالشكور” إلى عمله كالمعتاد بإحدى المؤسسات الحكومية ذات الروتين اليومي. وبمجرد أن ركن سيارته بالمرأب المجاور للمؤسسة، وأثناء سيره في الطريق نحو الباب، كانت تلك المرأة المسنّة المسكينة الجالسة بجانب المبنى ونظرات الاستعطاف التي تُطلقها لأي عابر من أجل أن يمنّ عليها بأي قدر من المال يُعينها على قضاء حوائجها.. أدخل “عبدالشكور” يده في جيبه – كما اعتاد يوميا – ليخرج ورقات مالية عدة أثلجت صدر المسكينة ليندفع “شلال” الدعاء من فمها تجاه “عبدالشكور”.

كان “عبدالشكور” نهمًا بشكل “مستفز” لمعرفة كل شيء وأي شيء – ولو تافهًا – يندرج تحت بند الخصوصية لأي صنف من البشر..!! لذة غريبة تُنعش جسده المتشنّج المتقزّم عند استراقه السمع من أي اثنين قد يتحادثان أو يتناجيان فيما بينهما في أي أمر من الأمور..!!

وبمجرّد أن دلف من باب مكتبه ليجلس على كرسيه، بدأت أذناه في العمل كـ”رادار متطوّر” في إحدى القواعد العسكرية له قدرة خارقة على التقاط الإشارات بعيدة المدى..!! فقد كان زميلان من زملاء العمل يجلسان بالقرب من مكتبه (عبدالشكور)، يتجاذبان أطراف الحديث بالضحك تارة والجدال تارة والهمس تارة..!! وبعد مُضي قدرٍ ليس باليسير من الوقت، ودون أدنى مقدمات، انفلت “عبدالشكور” من كرسي مكتبه تجاه زميليه ليقترح عليهما حلًا لما كانا يتناقشان بشأنه..؟!! لمَ لا..؟!..وقد التقطت أذناه كل ما “هرَب” من فمّيهما من كلمات وضحكات وآهات..؟!!..اعتلت الدهشة وَجهَي الشخصين وكأن الهواء قام بتسجيل حديثهما..؟!..وما لبثا أن استمعا لحلوله المقترحة (عبدالشكور) حتى انتفضا مذهولَين بغضب شديد بعيدًا عن تلك البقعة الفضولية في المكان..!! فعاد “عبدالشكور” إلى مكتبه ووجهه يكاد يتفجّر من حُمرة الخجل، يجرّ أذيال الخيبة من ردة فعل زميليه…!!

إلى أن التقطت أذناه سجالًا آخر بإحدى الغرف القريبة من تمركزه، فانطلقت “لواقط” الأقمار الاصطناعية لممارسة مهامها بآلية كالمعتاد..!! شخصٌ يُصر (وقد حان وقت مغادرته العمل) على اصطحاب آخر بسيارته لتوصيله إلى منزله، والأخير يعتذر بحجج واهية خشية تعطّل صديقه والإحراج.. وبينما يتجادلان، دقّ جرس “الموبايل” الخاص بالشخص الذي لا يمتلك سيارة، لينشغل قليلا بمكالمة هاتفية….وعندها… انقضّ “عبدالشكور” كـ”ضبع مسعور” على الآخر ليثنيه عن مساعدة صديقه بإيصاله إلى منزله باستماتة مريضة غير سويّة لمنع خير إنساني من الانزلاق ببراثن التراحم والتوادد..؟!! انتشاء غريب، وهو يتفانى بمنع الانسجام من التحقق ما بين نفسين بشريتين..؟!! إلى أن نجح في إقناعه بالهرب والتحجّج لطارئ قهري دفعه إلى مغادرة المكان على عجل… وترك صديقه؟!!

وبعد انتهاء آخر المهام “الكوماندوزية” في تقطيع أواصر الإنسانية ما بين جنس بني آدم..!! طار “عبدالشكور” من المكان، وقد دقت ساعة الرحيل عن العمل إلى بيته ليتناول وجبة الغداء ويخلد إلى …النوم..؟!.. استلقى “عبدالشكور” على ظهره ليستقر رأسه الأصلع على وسادته القطنية؟! وجسده المُمدّد كمومياء فرعونية محنطة..!!

ومع سباحته ببحيرات “عوالم النوم” العميق، وفي ردهات العدم السحيق، لبّت روحه نداءً من الباعد البعيد..؟!..يناجيها بصوت خافت باقتراب موعد الرحيل..؟!..وقد تبلور نفقٌ مظلمٌ طوووووووويل ليس له آخر..؟!..يسوده ضوء أرجواني أضحى ملاذًا للخفافيش..؟! وفي سكون مميت.. بدأت الروح بلملمة ذرّاتها من سائر أرجاء جسده البارد.. سائرة نحو النفق المحتوم..!!.. وسط نبضات متسارعة تلفظ أنفاثها الأخيرة في السكن القديم..؟!..إلى أن تجمّعت جنباتها لتخوض غمار النفق المخيف..!!..طارت الروح متجهة بسرعة خرافية في عالم سرمدي مُهاب.. إلى أن لاحت نهاية النفق. تسمّرت روح “عبدالشكور” عند الحافة فجأة ولم تستطع التقدم قيد أنملة من شدة الانبهار..!! عالم غريب..عجيب..دائري الشكل..وأجرام غير مألوفة الهيئة….وجوه ليست بالقليلة لأشخاص حُفِروا في الذاكرة…مبتسمة وعابسة..!!..جميلة وقبيحة.. مطمئنة ومخيفة…خضار وجمال و…..سواد مرعب..!!

إلى أن اخترق جزيئات ذاك المكان العدمي وجه الشخص الذي نجح عبدالشكور في إثناء زميله عن توصيله بالسيارة إلى بيته…!!

• احترت بخصالك يا “عبدالشكور”….تتلذّذ بمنع الخير عن الناس……ما الداعي؟!

ـ لا أعلم…..أنا إنسان مسالم ..أحب الناس.. ولا أعاديهم …..لكنني لا أدري… لماذا أرتكب هكذا أفعال..!!..رغبة شيطانية تجتذبني اجتذابا نحو ذلك…!!

• ملأ الحقد قلبك وأعمى بصيرتك…تنقم النعمة على خلق الله…فضوليتك القاتلة… حسدك المشبّع ببراكين الغيرة…جزاك الله بقدر نواياك..

ـ سامحني …لست ملاكًا لا يعرف الخطيئة.. ولا شيطانًا صرفًا يمقت البشر……فقط أنا ..إنسان…..أخطئ وأصيب..

وباختفاء ذاك الوجه المكلوم….لاح وجه المرأة المسكينة التي كانت تُسرّ وتُغبط بصدقة عبدالشكور…

• عبدالشكور.. أنت الوحيد الذي كان يُفرحُ قلبي ويسعده ويبهجه بطيب صنيعك وعطفك وشفقتك…أنعم الله عليك من كل فجّ عميق..

ـ صدقيني أمي….أنا بني آدم…أحب الخير وأجاهد في الإكثار منه…أحتقر الشرّ..وأبتعد عنه….ولو عاد بي الزمن ألف مرة فلن أتنازل عن فعل الخير…

اختفت الوجوه….وابتلعها العدم…لتنطلق روح “عبدالشكور” بسرعة مريعة ..في العدم الملّغز.. ليأمرها ذاك الباعد البعيد…بالرجوع إلى النفق المظلم….عائدة إلى الحجرة، حيث يستقر جسد عبدالشكور المعلّق ما بين الحياة والموت…لتسكن جسده بانتهاء رحلة الرجوع..!!

استيقظ “عبدالشكور” يتصبّب عرقًا كالثلج وجسده ينتفض من شدة الهلع.. غير مصدّق أنه عاد للحياة ثانية.. وقد منّت عليه الأقدار بجولة أخرى من جولات اختبار الحياة….قلبه ينبض بنبضات الفرح الممزوج بالحزن على ما اقترفه ذات يوم من أفعال وسلوكات..!!..أو رحمات وحنانات….وقد داعبه الموت دعابة ثقيلة الظل..!!

أحمد كمال كامل   

[email protected]

تعليقات الفيسبوك