طبيب يتحدث عن ليلة من ليالي العناية المركزة ، وشبح الموت المخيف

بقلم الدكتور سامح احمد

مهندس نووي في شركة وستنجهاوس الامريكية عمره ٤٦ سنة وعنده تليف كامل في الرئتين وفشل في القلب وماعدش عنده أنسجة كافية يتنفس منها وأصبحت صعوبة التنفس عنده شديدة جدا فكان لازم نحطه على مورفين بالوريد متواصل لانه حاسس انه مخنوق او بيغرق طول الوقت.

مراته عندها ٣٨ سنة وبتشتغل مهندسة نووية معاه في نفس الشركة وكانت معاه في اخر ايام في العناية المركزة.
عندهم طفلة وحيدة سنها ٩ سنين كانوا مانعينها تزوره في العناية لما تعب في الاخر وحطيناه على جهاز التنفس الصناعي.

العلاج الوحيد هو نقل قلب ورئتين ومالقيناش أعضاء مناسبة. اخر ايام كنّا بنخدره تخدير نهائي علشان احساس الخنق بيسبب هياج للمريض لضعف مستوي الأكسجين في الدم حتى على المنفس الصناعي وفي الاخر فصلناه من على الجهاز وبَقى على ماسك بتدفق عالي للأكسجين.

في اخر يوم قررت العائلة تسمح لبنته تزوره في العناية وكانت البنت فرحانة جدا ولبست لَبس العيد وعملت شعرها وجت العناية تقريبا الساعة ٨ مساءا. وفي الاوضة كانت الزوجة ومامتها وباباها والبنت والمهندس المريض اللي اصر ان نفوقه علشان بشوف بنته برغم صعوبة تنفسه جدا

لما وصلت البنت الاوضة حضنت باباها وباسته بسرعة وراحت قاعده في كرسي جنبه. انا كنت باضبط المورفين في المحلول واستغربت لما لقيت البنت مش مهتمه بباباها ومهتمة بالشنطة بتاعتها وعمالة تطلع حاجات منها وكراسة رسم وأقلام ألوان وبتحطها على ترابيزة صغيرة قدامها علشان ترسم.

الزوجة بتبكي بصوت واطي وقاعده على السرير وماسكة ايد جوزها وهو بيفوق شوية وينام شوية.

وانا على وشك اخرج من الاوضة طلبت مني الزوجة كرسي سرير علشان تنام جنب جوزها بالليل ومرة واحدة صرخت البنت “فين اقلام الهايلايت الفوسفورية بتاعتي؟” 


الام قالتلها “دوري كويس في الشنطة بتاعتك” البنت قلبت الشنطة على الارض وهي بتصرخ “لازم ارسم صورتي لبابا علشان يأخدها معاه” والصراخ بدا يعلى بشكلهستيري ورمت نفسها على الارض تبكي وتصرخ عايزه الاقلام الهايلايت. رئيسة الدور وممرضة تانية دخلوا الاوضة بسرعة ومعاهم اقلام كتير بس البنت رمت الاقلام وقَعَدت تصرخ وتقول “لازم ارسم الصورة لبابايا بالأقلام بتاعتي”

حاولت الام تهديها والبنت تصرخ ومش عايزة تقوم من الارض وباباها مش قادر يتكلم او حتى يدور وشه ناحيتها بس شفت دمعة نزلت من عينه وهو باصص للسقف.

وبدات الجدة تحاول تجر البنت من الارض وهي بتصرخ وتقول “مش عايزه اروح البيت” “عايزه أفضل مع بابا” ومامتها بتقولها “روحي البيت هاتي الاقلام وتعالى تاني”
واضطرت الام تجرها على الارض وهي بتصرخ “بابا تعالى معايا”

في الوقت ده العمال جابوا الكرسي السرير بس الزوجة قالت لي “لازم اخد البنت العربية تحت مع جدها وجدتها لانهم مش هايقدروا عليها وها ادخلها العربية معاهم وارجع تاني على طول”.

انا ساعتها كنت حاسس بإحساس مؤلم بالعجز والاسى على الطفلة اللي كانت بتحاول تطلع كل مشاعر الحزن في صورة علشان تهرب من واقع حزين جدا ولما ماقدرتش انفجرت وهي بتواجه شعور الفراق بشكله البشع القاسي مواجهة مباشرة.

تمتمت ومش فاكر قلت ايه للست قبل ما تخرج هي والبنت والعائلة من الاوضة ورحت اشوف الزوج لقيته مش عارف يتنفس وبيحاول يقول حاجة. قربت منه علشان اسمع فهمس في ودني وقال “البنت مشيت؟” قلتله ايوه وهي احسن دلوقتي مع مامتها.

قال”طب كويس” وراح مغمض عينة وفتح بقه ونفسه وقف ومات.

في اللحظة دي دخلت زوجته الاوضة واتسمرت على الباب لما شأفته مغمض عينه وبقه مفتوح ووشه شاحب وقالتلي “خلاص؟”

هزيت راسي وماقلتش حاجة وهي بتبكي بصوت عالى وتقول “يعني ياربي ماكنتش معاه كتير في حياته حتى في اخر لحظة ما قدرتش اكون معاه” وحضنتني وقَعَدت تبكي على كتفي بشكل متواصل بدون تنفس لحد مرة واحدة شهقت جامد وهي بتاخد نفسها.

الشهقة دي كانت في ودني وحسيت بيها بتقسم روحي نصين وانا حاسس بالعجز الفظيع وقلة الحيلة. ماقدرتش أساعده او أساعدها او اساعد البنت المسكينة.

شعور قاسي جدا.

وراحت قعدت جنبه على السرير وقَعَدت تسأله “هاقول ايه للبنت؟” “دي راحت تجيب الاقلام علشانك” هارجع أوضة نومنا ازاي من غيرك؟
ماقدرتش اسمع اكتر من كده وجريت استخبيت في أوضتي.
شبح الموت مرعب جدا وباشوفه كل يوم وعمري ماتعودت عليه.

الفراق بالموت من اصعب المواقف اللي مالهاش حل حتى في احسن مستشفى في العالم

تعليقات الفيسبوك