سِجَال السحاب..!! قصة قصيرة يكتبها أحمد كمال كامل

بعد أن “تجمّدت” الدماء في عروقي من الجلوس لساعات طوال مملّة بـ”الترانزيت” في أحد مطارات الشرق الآسيوي، انتفضت وقوفًا لأحثَّ الخُطَى، وأجرّ قدميّ المتثاقلتين بـ”أكياس الرمال” من شدة التخشّب في مكاني، لأستقل طائرتي التالية للعودة إلى موطني. وبعناء “يفتّتُ” البدن، ارتقيتُ سُلّمَ الطائرة، كمن يتسلّق أوعر الجبال للوصول إلى قمته الثلجية.. للبحث عن مقعدي..؟! بمجرد أن عثرت عليه، تنفّست الصعداء لنجاحي في تحقيق حُلمي بالوصول إليه – المقعد – كي أسبح في عالم الاسترخاء و….. النوم اللذيذ!! وما إن استقر رأسي “المُلّغم” بأجراس الصداع المتراقصة على وسادة مقعدي الناعمة، اجتذبني مشهد الإقلاع المهيب من النافذة المجاورة، وأصوات الطائرة “تتشاجر” فيما بينها قبل…. الصعود إلى السماء..!!.. فجأة….!! وقبل أن يأتي نداء الطيار الصارم بالتزام المقاعد، وربط الأحزمة، “هبط” على المقعد المجاور بجانبي شخصٌ نحيل الجسد، ذو أنف معقوف، يرتدي بنطالا وقميصا أسْوَدَيّ اللون، استقر كـ”روبوت آلي” يمارس مهامه بدقة متناهية!! وما كدتُّ أدير وجهي، بعد التقاطي لأول لقطة من ملامح وجهه، حتى عاودت التحديق إليه مرة أخرى. دقّقت مليًا بملامحه… فلم أصدّق عينَيّ..!! وأنا أغوص بأعماق الماضي، لأتذكّر ذاك الوجه الأصفر القديم ذا الملامح “الكاريكاتورية”، وقد عَرَكت قَسَمَاته “نوائبُ الدهر”، في “انتقام” زماني “بتار” لم ينجُ منه أحد..!!..

“يوشيدا” صديق العمل (الياباني) القديم، شاءت الأقدار أن نلتقي ثانية بعد عقود من عملنا المشترك بإحدى دول الرفاهية الحديثة!!…

** “أووووو… صديقي …….”.. (كانت أول ما تفوّهت به شفتا “يوشيدا”، وقد كان متمرّسا حذقا في “العربية” إلى درجة تخشاها “الطلاقة”!!) ..

بادلته ابتسامة عريضة “مغلّفة” بطلاء من عبارات الترحيب والحفاوة العربية المعتادة!! ….

** كيف حالك صديقي.. وحال بلادك؟..(قال يوشيدا)

– لا أدري ماذا أقول؟!.. ..لكنّ حالي ليس كحالك، وحال بلادي ليس كحال بلادك؟!!

** كما عَهِدتكّ دائما ..”فيلسوفا غامضا”.. أطربني بألغازك .. وأيضًا شفراتك؟! (مندهشا يوشيدا)

– عزيزي..عندما كنا نكدحُ سويا منذ سنوات، كان بلدانا الناقهان، بعد دهور من “وباء” “الاستعباد”، يقفان على نفس المسافة والأرضية من النمو والمستوى المادي والمعرفي و…و…!!

**(متداخلا) يوشيدا: نعم .. نعم.. كانت الحالة سواء.. بلدان عالم ثالثيان ناميان أنهكتهما الحروب، و”نيران” الاستعمار، في انتظار معجزة تنتشلهما من تلك الهوّة السحيقة التي غرقا في أوارها؟!!

– (لم أتركه ليلتقط أنفاسه فقاطعته): أنتم وثبتم للأمام بسرعات خرافية ناطحت “عقارب” الزمن. أما نحن فتقهقرنا بسنوات ضوئية إلى “أخاديد العَدَم”..؟!!

** يوشيدا: بالتأكيد.. ذاك الواقع المتشائل واضح للعيان. وكم كنت أتمنى ملاقاتك بأجواء أزهى.. وأفضل….!!

– ههههههه – بألم – … أزهى..!!

** لكنّ السؤال المحيّر: ما السبب …؟!! في حين أنكم المنهل الأول لأرصن حضارات “المعمورة” ونفائس الإبداع البشري من علوم وفنون وأدبيات.. وتسبحون في بحيرات من الروحانيات..؟!!..(يوشيدا متابعا)

– وَأَدْنَا  إنسانيتنا ..أخلاقنا..تراثنا..لغتنا..؟! تغذّينا على “القشور” لنتقيأ “جواهر” الأمور!! غرقنا بمناخات العصبيات والقبليات والطائفيات؟!! قتلنا الضمائر وغيّبنا العقول، قهرنا العمل، واستوطنا الملل؟!

(.. وقبل أن أتمادى في الاسترسال….)

** يوشيدا: “أشتمُّ” في عباراتك انهيارا سلوكيا مريعا..!!

– لا بد من الإقرار بالخطأ أولا بتخاذلنا في خلق ذاك المناخ الكارثي، وتلك البيئة المسممة…

** تلك هي أولى خطوات الطريق الصحيح…(يوشيدا مقاطعا)

– أيضا الاصطفاف لتشذيب “البقع السوداء” فيما اعترى ثقافتنا من مفاهيم مغلوطة؟!! فماؤنا الصافي الرقراق لوّثته – عبر قرون – أفكار دخيلة وسموم فكرية متسللة وتفاسير خاطئة..!! 

** يوشيدا: ..لكنْ صديقي ..اسمح لي .. العالم أجمع بكل ما فيه من أجناس وأطياف وأعراق يوقنُ يقينا تامًا بأنكم تحتكرون رباط الإنسان بالسماء..؟! أي مخلوق لا ينتمي لعشيرتكم وملّتكم هو “زنديق خارج عن الملة” لا يمتلك أدنى المقادير من الرحمة والإنسانية وسماحة النفس؟!

– لا ..لا.. أرفض التعميم، وإقرار الأحكام بلا سقف. فلكل قاعدة ما قد يشذ عن أحكامها ومسلّماتها؟! الأصل والأساس فيما نشأنا عليه هو: “الحرية”.. نعم “الحرية”.. في الفكر والعقيدة وتقديس الحق الإنساني في تحديد مصيره دون قهر أو استبداد. فالحياة مزيج زاخر بكل ماهو صالح و…طالح. الخلل ليس في المواريث وإنما هو في الوريث؟!

** قد أكون مخطئا..؟! (قال يوشيدا)

– ….أنتم أذهلتمونا بأخلاقكم وآدميتكم ونُظُمِكم وتشريعاتكم وقوانينكم. حتى صار البعض يتعجب؟! كيف لتلك البلاد الجدباء القاحلة العطشى لكنوز الأرض وخيرها، الخالية من الخضار والماء والأنهار، أن تسوس العالم بعقولها فقط..؟!

** يوشيدا: لسنا ملائكة أو مخلوقات معصومة من الزلل. بل من الممكن أن أثير استغرابك حينما أخبرك بأننا مع كل تلك الهالة  البراقة التي قد تراها، نعاني خواء روحيا ..نحسدكم عليه!!..

– ههههههههه…خواء روحيا..!!

** يوشيدا: عالم من الآلية مادي متحجر متجمد نغوص في سديمه. مشاعر وأحاسيس أضحت كرة من الثلج تحت مظلة من النهم التقني والتكنولوجي……..نحن نبحث عن الروح !!

– أنت تبالغ ..كثيرا…!!

** يوشيدا: قطعا لا أبالغ.. لكنني أجتهد بتوصيف الواقع. الاختلاف بيننا ليس معقدا أو جوهريا، بل هو فقط قرار، وتصميم على تنفيذه، وجعله واقعا له وجود ملموس ينضوي تحت غطاء عام من النظام واحترام الذات والآخرين؟!…… بداية: الحوار هو الحل….؟

– (بقهقهة هزلية): حوار….؟!..عن أي حوار تتحدث..!! ألم تعش بيننا يوما ؟..ألم ترَ بعينيك كيف كانت النهاية لأي نقاش – ولو بسيطا – قد يقع بين أي شخصين، انخرطا في مساجلة أو حتى مجرد إبداء رأي..؟! وكأنها الحرب العالمية الرابعة..؟!!

** هذا ليس مبررا ….؟ (مقاطعا يوشيدا)

– يا عزيزي.. نحن نفتقد ثقافة الحوار. أجيال متعاقبة نشأت وشبّت على ضفاف أنهار ملوثة بـ”عقاقير الدكتاتورية والقهر”.. كيف تتصور إذن أن يُخلَق في تلك البيئة: “حوار”..؟!

** يوشيدا: أتذكر في السابق زميلينا اللذين كادا يفتكان ببعضهما بعضا لمجرد تضادٍ بسيطٍ في وجهتي نظريهما..؟!!..ومع ذلك، لا مفر منه – الحوار – ….. كل شيء يُصقل بالتدريب.

ودون سابق إنذار، ومع أحد المطبات الهوائية “الشرسة”، ترنّحت الطائرة، كسفينة حائرة في المياه الزرقاء تقارع الأمواج المتلاطمة ..وأيضا قلبانا الخفيفان!!..انقطع الحديث بلا سبب مقنع!!.. فالتمسني “يوشيدا” – بابتسامة شاحبة – أن يخلد للنوم بعد أن أنهكته الرحلة الطويلة ..والجدال المثير..!! وتركني لأحملق بعينيّ الحمراوين من نافذتي الصغيرة في زرقة السماء، وغموض السحاب، هائما في فضاء التفكير في إجابة عن سؤال أثري: إلى متى نبقى “محنّطين” في آخر القطار…..؟!!! 

أحمد كمال كامل                   [email protected]

تعليقات الفيسبوك