الفصل الرابع : أثر انحراف بعض قواعد القانون الوضعي عن أحكام الشرعية الإسلامية

  • مقارنة بين أحكام الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي الحديث .
  • أسباب الانحراف .
  • مقارنة بين أحكام الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي .

لا شك أن هناك من قواعد القوانين الوضعية ما انحرف عن القانون الطبيعي للقوانين الوضعية الحديثة المستمد من أحكام الشريعة الإسلامية وجاء ذلك لأنه لم يكن جديدًا على الحياة الإنسانية أن يشرع الإنسان لنفسه القوانين والأنظمة التي تعمل على خدمة بعض المصالح على حساب باقي أفراد المجتمع ، ويضع لها منهجًا بمعزل عن شرع الله وبمنأى عن إرادة المجتمع .

فقد دأب الطغاة من الناس منذ فجر التاريخ على فكرة الخروج على إرادة الحق والخير في هذا الوجود ، متخذين من مصالح أنفسهم آلهة تعبد  ولو تتبعنا نشأة القوانين الوضعية التي تحكم حياة المجتمع لوجدناها تمثل مرحلتين المرحلة الأولى هي : مرحلة التأسيس وتتمثل في وضع القوانين الطبيعية للقانون الوضعي الحديث مع اختلاف أنواع واتجاهات المدارس الوضعية والتي لم تنحرف جميعها بصورة واضحة عن قواعد القانون الطبيعي لأحكام الشريعة الإسلامية .

والمرحلة الثانية هي : مرحلة سن القوانين وتتمثل في استنباط وتقنين بعض القواعد القانونية والتي لا يمكن وصف جميعها بالانحراف أو العوار إلا أن بعضها الآخر وخاصة الحديث منها جاءت تمثل إرادة الحاكم وتعبر عن أغراضه ومشيئته في الحياة ، بعيدة عن التطابق مع المصلحة الحقيقية التي تعبر عن مبادئ الحق والعدل التي ميزت مرحلة التأسيس وأضفت عليها بظلالها ، وجاء ذلك الانحراف ببعض قواعد القوانين الوضعية للتعبير عن الرغبة في تسخير القوانين لإرادة الطغاة وإخضاعها لأهوائهم ، فصاغوا من إرادتهم قوانين وتشريعات لتكون طوقًا يشددون به قبضتهم على رقاب الناس وحياتهم . وهو ما يشبه انحراف القوانين الوضعية القديمة عن المدونات القانونية السابقة العهد والتي كانت تعمل على ترسيخ القانون الطبيعي ومصالح الجماعات ، وعلى عكس ذلك كان دور التشريع الإسلامي فقد استهدف دوماً تحرير الإنسان والرأفة به والحفاظ على مصالحه وحياته ، فقد جاء قول الله عز وجل :

( وَمَا أَرْسَلنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ ) . (الأنبياء/107) والمتأمل في هذا النص يستنتج بجلاء ووضوح أن أهداف الإسلام وغاياته التي حددها القرآن هي تحرير الإنسان ، وإنقاذه من الظلمات إلى النور ، والأخذ بيده إلى آفاق الخير والسعادة .

ولو حاولنا وبطريقة واعية منصفة استقراء كل من الشريعة الإسلامية  والقوانين الوضعية على مختلف مذاهبها واتجاهاتها الفلسفية والاجتماعية . كالرأسمالية والاشتراكية والشيوعية وأمثالها من القوانين والنظريات الوضعية الحديثة لاستطعنا أن نجزم أن أحكام الشريعة الإسلامية كانت العامل المشترك وزاد وقبلة كافة القوانين الوضعية في مراحل التأسيس التي انحرفت عنها تلك القوانين بعد ذلك لتحتفظ أحكام الشريعة الإسلامية بماهيتها الشمولية المجردة عن الأهواء والمصالح والأطماع ، فلأحكام الشريعة الإسلامية ميزان يوزن به ومقياس يقاس على أساسه لتحديد طبيعته وقيمته لا يجوز لأي من باحثيه ومستنبطيه الانحراف عنه ، بما يحفظ أثره وغايته ، واتساقه مع غاية الوجود الكبرى  ذلك أن أحكام الشريعة الإسلامية تقوم على أساس من معيار ( الحق والعدل ) كقيم ثابتة في الحياة .

ويشكل هذان المفهومان الأساس والقاعدة التي يجري عليها التشريع الإسلامي بأسره ، فما من قانون ولا تشريع إلا وقد قام على أساس هذين المبدأين ، إلا وجاء مجرداً ونافعاً للمجتمع حتى وإن كان ذلك المجتمع غير إسلامي وإن كان المشمولين به غير مسلمين شأنه شأن سائر حقائق الكون الأخرى .

( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) . (الأنبياء/ 18) ، ( وَقُلْ جاء اَلْحَقُ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ) . (الإسراء/ 81)  فمن يستطيع أن يُشخص فكرة الحق التي تمنح الشيء       ( قانونًا كان أو موضوعًا ) أهلية الحدوث واحتلال موقع محدد في عالم الوجود غير خالق الوجود الذي وسع علمه بكل شيء ؟ .

لذا جاءت بعض تشريعات المشرع الوضعي بعد الانحراف الذي طرأ عليها باطلاً لا يعرف الحق ، وجزافاً لا يعرف التقدير ، وزائلاً لا يملك الثبات  وعبثًا لا مبرر لوجوده  معبرة عن إرادة المشرع وهواه منحرفة عن قواعدها الأصولية في مرحلة التأسيس . وجاء وجه الانحراف الثاني لبعض القوانين الوضعية في مخالفته لمعيار العدل ، والعدل هو الميزان الذي توزن به الأشياء ، وتعرف قيمتها ، فهو وضع الشيء في موضعه ، وإعطاء كل ذي حق حقه . والذي أيضًا كان سمة من سمات مرحلة التأسيس للقوانين الوضعية الحديثة التي لم تشهد ذلك الانحراف بل والتي استمدت منه شرعيتها في المجتمعات المشمولة بها وتجد فيه الآن الملاذ الآمن للخروج من كبواتها المستمرة .

تعليقات الفيسبوك