الفصل الثالث الفرق بين الأحكام الشرعية والقوانين الوضعية

  • الخصائص .
  • ضمانات الالتزام .
  • –  المقارنة بين خصائص أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية   إن أهم مميزات الأحكام الشريعة الإسلامية وخصائصها الإيجابية التي جعلت منها قانوناً متجددًا وصالحًا لكل الأزمان والمجتمعات، وقدرتها على حل الكثير من المشكلات ومواجهة العديد من التحديات هي:

الدوام : بعيدًا عن أن القوانين الوضعية يضعها جماعة أو مجموعة أفراد إلا أن السبب الرئيسي في عوار بعض القوانين أن تلك الجماعة أو مجموعة الأفراد لم يلتزموا أثناء الوضع أو التطوير بأُسس ومنهجية القياس بما يتفق والقوانين الطبيعية التي هي إحدى إعجازات الشريعة الإسلامية التي لا يختلف عليها أحد ، بينما نجد أن هناك من القوانين التي التزمت بتلك الأسس والضوابط ، ولا ريب فإنها امتداد منطقي لأحكام الشريعة الإسلامية حتى وإن غُض منا الطرف عنها لأسباب عديدة منها أننا أحيانًا نخشى من أن نعترف بالتقصير البالغ في أن نتولى نحن تطبيق المناهج السديدة للتطوير والقياس للأحكام الأصولية للشريعة الإسلامية التي تتصف بالشمولية والدوام وتستلزم تطبيق مناهجها في القياس والاستدلال ، ومنها أيضاً ألا نعترف بأن الشريعة الإسلامية التي رسخت قواعد القانون الطبيعي الإلهي بريئة من أصحاب الأفكار الرجعية التي تهتم بذكر الألفاظ لا فهمها الذي يؤدي بإدراكه إلى تطبيق القياس السديد الواجب الاتباع بغير هوى منا أو تخيير في الإتباع فإن القوانين الشرعية ليست نصوص واجبة التطبيق فحسب إنما منها ما هو قواعد أصولية تستلزم الاستنباط لتطبيق الكبريات على الصغريات مع متجددات الزمان وهو ما جعلها تتصف بالكمال كونها وافية .

الاتساع في التطبيق :  حيث أن القانون الإسلامي يملك القدرة على أن يضبط سلوك الكل بلا فرق بين اختلاف الشعوب والقبائل ، أما القوانين الوضعية حتى الديمقراطية منها فيختلف قانون كل بلد عن الأخرى .

إلا أن ذلك الاختلاف لا يستوجب الحكم عليه بأنه مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية فيكون أحياناً امتداد منهجي لتطبيق الشريعة متى اتصف بالتجرد والالتزام بالقانون الطبيعي    – فقد جاء الدين الإسلامي هدىً للعالمين وليس المسلمين أو المؤمنين فقط – لأنه يتضمن أحكامًا شرعية وفقهية توجب التفاهم والتقارب بين فصائل المجتمع الإنساني بعضهم مع البعض داخليا وخارجيا.  

التسامي : لأنه مطابق للفطرة موجب للعدالة أخذ بالاعتبار ضعف الإنسان فلم يتعنت معه وهو مع هذا كله أسمى من أن يعجز عن الوفاء باحتياجات الناس – كل الناس – دون النظر إلى الجنس أو النوع أو اللون أو حتى المناصب فقد جاءت قواعده وأحكامه متجردة غايتها الوحيدة هي تحقيق العدل والمساواة . (26) ، ومن الخصائص المهمة التي تجعل من القانون الإسلامي متميزًا هي مرونة القانون وقابليته للاجتهاد حيث كان باب الاجتهاد منفتحا منذ عهد الرسالة ، أما الاجتهاد فهو حق طبيعي لحملة كل دين أو مبدأ يريد استيعاب الحياة وهذا الدين الذي شمل هذه الرقعة الواسعة والذي يريد الله عز وجل له شمول الأرض كلها لابد وأن يكون لحملته حق الاجتهاد في ضوء ضوابط ومنهجية القياس لاستنباط الجزئيات من الكليات . (27)

وهو ما إذا تم إدراكه الإدراك الحقيقي فلا يمكن لنا أن نلوم على بعض علماء القانون مثال السنهوري وغيره في أنهم قد تركوا قوانين الإسلام وأخذوا بقوانين الغرب حينما يكون الغرب هو الآخذ بأحكام الشريعة الإسلامية – وإن لم يعترف الغرب نفسه بذلك – ويكون محل اللوم أن العديد من علماء القانون الأجلاء لم يأخذوا ذلك في الحسبان واكتفوا فقط باستخدام القاعدة القانونية بعد أن وفر عليهم الغرب الجهد الكثير في القيام بالاجتهاد والقياس والاستنباط على قواعد القانون الطبيعي للشريعة الإسلامية ، غير أن هناك القليل من تلك القوانين قد خالفت بعض أحكام القانون الطبيعي خلافًا ظاهريًّا فقط واتفقت معها في المضمون وبعضها الأخر قد خالفها جملة وتفصيلاً وخاصة المستحدث منها الذي جاء بالتبعية للانحراف الذي أصاب القوانين الوضعية الحديثة المشار إليه بالفصل الثاني . فالكثير والكثير من القواعد الأصولية للشريعة الإسلامية هي قواعد أصولية لبعض القوانين الوضعية ومن تلك القواعد قول الله عز وجل : ( الذي جعل لكم الأرض ) و( أوفوا بالعقود ) و( لا ضرر ) (28)

وهناك الكثير من الخصائص والمميزات التي يتمتع بها القانون الإسلامي مثل البساطة واليسر فقد قال الله تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) ، فالقانون الإسلامي وضع على اليسر سواء في الواجبات أم المستحبات وإنما الشدة تأتي أحيانًا على سبيل الاستثناء لا الأصل .

  • ضمانات الالتزام بالتطبيق .

يكون القانون فعالاً ونافذًا عندما تصبح له القدرة على التزام وامتثال الناس لتنفيذه وقبول الناس له قبولاً قائماً على الاقتناع والإيمان به وربما لا يكون ذلك مؤثرًا بقدر كبير في الالتزام بالقانون على قدر شعور الناس بضرورة التنفيذ والالتزام . ونرى بعض الشيء من وجه التشابه فيما بين أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية حتى وإن اختلفت الأهداف فيما بينهم فإن أحكام الشريعة الإسلامية وقانونها الطبيعي قد تأسست على قاعدة الثواب والعقاب وهو ما لم ينحرف عنه القانون الوضعي الحديث فقد بُني على تلك القاعدة مع اختلاف الهدف فقد تستمد أحكام الشريعة الإسلامية قوة أكبر في كونها تحمل عقابين لا عقاب واحد بالمفهوم المجتمعي بل أن المشمول بالقانون فيها يخشى عقابين لا عقاب واحد أولهما لا ثانيهما العقاب الإلهي الحال أو المؤجل حتى وإن سبقه العقاب المجتمعي ولأن الله عز وجل فرض الشمولية لأحكام القانون الطبيعي للشريعة الإسلامية فقد قرر العقاب الدنيوي بشمول علمه ولما لإعجاز أحكام الشريعة الإسلامية والقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة التي جاءت جميعها لتحقيق النفع للبشر أجمعين وليس للمؤمنين والمسلمين فقط وهو ما يتضح من قول الله عز وجل
( وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (107) سورة الأنبياء ، وقول محمد صلى الله عليه وسلم : ( إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) .

وقول الله عز وجل ( للعالمين ) ولم يختص المسلمين أو المؤمنين دليل أخر يضاف إلى إعجاز القرآن والسنة في أن الدين الإسلامي ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم جاء بالنفع لكافة البشر وليس بالمسلمين فقط وهو ما يعلمه الغرب من غير المسلمين ويغضون عنه البصر حتى لا يعترفوا بتطبيقهم لأصول أحكام الدين الإسلامي في حين أنهم يبذلون الجهود العديدة لمحاربة الدين الإسلامي والحط منه واتهامه بالدين الإرهابي وغير ذلك من الاتهامات الأخرى ، وإلا فكانت أحكام الشريعة الإسلامية لم تلتفت لتطبيق العقاب المجتمعي واقتصرت على تطبيق العقاب الإلهي الذي هو الباعث الحقيقي والأول على الالتزام بها ولكن بالعلم الإلهي السرمدي يعلم الله عز وجل أن القانون الطبيعي لأحكام الشريعة الإسلامية قد جاءت لمخاطبة المسلمين وغير المسلمين ، من اعترفوا بمُحمد وتبعوه ومن لم يتبع – تلك هي حكمة الله عز وجل – .

فالقانون الوضعي قد وضع ضمانات الالتزام به من خلال نظرية الثواب والعقاب الدنيوي ولم يكتف بذلك فقط غير أنه لم يملك غيرها لفرض الأمن وضمان تقويم السلوك الإنساني ولأنه لا يمتلك جذورا متأصلة في عمق الوعي الإنساني العام فاستعاض عن ذلك بالباعث الأخلاقي وثقافة المجتمعات الموجهة ساعيًا للاستنساخ الباعث الديني عند المسلمون .  

ذلك أن الناس ( يطيعون القانون لا لأنهم مرغمون على ذلك بالقوة بل لأنهم يقبلونه أو على الأقل يذعنون له وأن هذا القبول وليس تهديد القوة هو الذي يجعل النظام القانوني فعالاً ) . (30(

ونجد أن القوانين الوضعية تستمد قوتها وضمان الالتزام بها من خلال اقتناع المشمولين بها وهذا يكون نسبياً على قدر التزام المُقنن بقواعد القانون الطبيعي التي هي ترجع في الأصل لأحكام الشريعة الإسلامية في مرحلة التأسيس ، ونرى أن المشمولين بالقوانين الوضعية شأنهم شأن المشمولين بأحكام الشريعة الإسلامية تزداد استجابتهم للالتزام بأحكام القوانين وعدم الاعتراض عليها كلما جاءت متوافقة وأحكام القانون الطبيعي أي كلما جاءت متوافقة ومستنبطة الاستنباط الصحيح من أحكام الشريعة الإسلامية حتى وإن اختلفت أراء كل فئة على ماهية أو مرجعية القاعدة القانونية . فإن كلاً من أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية قد استمدت سلطتها وضمان الالتزام بها من خلال تحقيق الردع العام والردع الخاص ( الرادعان ) وهو أن يكون العقاب رادعاً للكافة قبل تحقيق الردع للمخالف لضمان عدم مخالفة القوانين وإن اختلفت طريقة كل فئة في تحقيق وترسيخ طريقة العقاب واختلفت أيضاً كل فئة في تقدير ونوع العقوبة .

تعليقات الفيسبوك