أحمد كمال كامل يكتب عنصريتهم و…عنصريتنا!!

“لا أستطيع التنفّس..كل شيء يؤلمني”….كانت التوسّلات الأخيرة التي نطق بها مواطن أميركي (من أصول أفريقية) يُدعى جورج فلويد، ورُكبة شرطي أميركي (أبيض) تدعس على رقبته دعسا بلا رحمة أو شفقة.. في “مينيابوليس” أكبر مدن ولاية مينيسوتا، وخلال خمس دقائق فقط لفظ أنفاسه الأخيرة.. مقتولا..!! في حادث عنصري بغيض هزّ -ويهزّ- المجتمع الأميركي بأكمله، وأثار موجة احتجاجات عمّت كامل “مينيابوليس”، منددة بالتعامل العنيف للشرطة مع السود، وفتح جهاز “إف بي آي” تحقيقا في الواقعة.

الحادث الشنيع استدعى، من جهة أخرى، التاريخ الممتد منذ بداية تأسيس أميركا، بإبادة ملايين الهنود الحُمر، ونضال مارتن لوثر كينغ من أجل حقوق السود ومناهضة العنصرية. يقول لوثر كينغ “أتمنى أن يعيش أولادي من بعدي في بلد لا يميّز بين الناس على أساس ألوان جلودهم”. كما استحضر الحادث أيضا مشهد المتظاهرين (البيض) وهم يحتجون على أول طفلة سوداء تدرس بمدارس البيض (روبي بريدجز) عام 1960م.

وهكذا.. تتمّ شيطنة أميركا، ويُقال فيها الآن ما لم يقله مالك في الخمر. لا شك أن حادثا عنصريا كهذا هو أمرٌ مدان ومشجوب ومؤسف تحت أي ظرف من الظروف، ولا أي تبرير أو مسوّغ يمكن أن يبرره أو يلتمس إليه العُذر…لكن…نسي العالم أيضا – خاصة العالم الإسلامي – أن الحادث يمكن اعتباره حادثا فرديا وليس تصرّفا ممنهجًا مؤسسيًا.. نسي العالم أن أميركا بلد الحريات والديمقراطية والتعددية الحزبية (إلى حد كبير) مقارنة بباقي الحريات في العالم.. فمن في العالم كله لا يريد السفر أو العيش أو العمل في “أرض الأحلام” أميركا.. لست أنا من يقول ويتمنى تلك الأمنية بل الآلاف المؤلّفة من الشباب المسلم – عرب وغير عرب – الذين يصطفون أمام السفارات الأميركية في شتى دول العالم الإسلامي.. بل كل الشباب في جميع أنحاء الكوكب!!..نسي العالم أيضا أنه يعشق الثقافة الأميركية ويجذبه الهوى الأميركي في المأكل والمشرب والترفيه والذوق.. عندما يتناول الهمبرجر أو كنتاكي أو بيتزاهت..!! عندما يقتني الآيفون الجبار..أو يقود سيارة جي أم سي أو فورد ..أو يشاهد فيلم “Mission Impossible” لتوم كروز..!!

العالم الإسلامي بأكمله أدان الحادث المفجع بأقسى عبارات الشجب والإدانة..منتقدا العنصرية الأميركية وقساوتها في التعامل مع مواطنيها..!!..ونسي أننا، ونحن في عام 2020، هناك من يتعامل بيننا على أساس العرق واللون والأصل والحسب والنسب والجنسية والدين والمذهب والقبيلة والزواج والفقر والغنى…إلخ!! ففي بعض البلدان المرأة لا تستطيع أن تقود سيارة ولا تستطيع السفر والزواج من غير إذن وليّها، بل حتى توقيعها الشخصي غير معترف به..!!

كمية السُّباب والشتائم والبذاءات التي تعجّ بها تعليقات البشر في مواقع التواصل الاجتماعي كفيلة بتبيان الصورة وتوضيحها بأننا نسبح في بحار من العنصرية..!! التحيّز ضد الأقليات والطوائف والعجم ..كلها أشكال مقززة للعنصرية….ويا تُرى لو جاء لقاح “الكورونا” المنتظر نتيجة ابتكار أحد العلماء في العالم الإسلامي قبل أن يتوصل له الغرب…هل سيكون متاحا لباقي دول العالم..؟!! أم أننا الأولى به وليذهب العالم بأكمله إلى الجحيم..!!

أميركا حتما ليست المدينة الفاضلة وواحة المحبة الغنّاء…نعم بها عنصرية وبها تمييز وبها سلبيات ولها مواقف مشهودة في انتكاس قضايانا المصيرية…لكن بها أيضا حريات وقوانين عادلة تحترم حقوق الإنسان وخصوصيته وسلبياتها ليست بنفس الدرجة الموجودة في دول أخرى كثيرة…ونحن أيضا لا نبتعد كثيرا عن أميركا.. نعاني العنصرية والتمييز وعديد القضايا والمسائل الشائكة، لكننا أيضا نزخر بمواريثنا الروحية الكريمة وتقاليدنا وأخلاقنا الرفيعة وتراحمنا الذي لا ينضب.. الأمانة والموضوعية والضمير جميعها تقتضي منا أن نكون منصفين في نظرتنا إلى الآخرين والحكم عليهم بالعدل.. أما إذا أطلقنا أحكاما “هتلرية” أو “بوشية” قاطعة بأن الأميركان عنصريون…. فلا بد ألا ننسى أبدا أننا أيضا… عنصريون..!!

أحمد كمال كامل

[email protected]

تعليقات الفيسبوك