لماذا يُلحدون..؟! بقلم أحمد كمال كامل

لو كل كلبٍ عوى ألقمته حجرًا…لأصبح الصخرُ مثقالًا بدينارِ

تلك كانت كلمات سمعتها، للوهلة الأولى، على لسان أحد العلماء المتخصصين في الفقه المقارن وعلوم الحديث أثناء لقاء في أحد البرامج بإحدى القنوات الفضائية منذ سنوات عدة.. وكان بيت الشعر أعلاه هو ردّ فضيلته في سياق سؤال طرحه مقدم البرنامج: “هناك أحد الملحدين يدّعي كذا وكذا……فما هو ردّ فضيلتكم؟”… وعن نفسي كنت متشوّقا لسماع إجابة فضيلته التي بخل بها علينا ولم يفنّد الادعاءات ويسحقها وتركها…. معلّقة..؟! ليترك هو وغيره من الأساتذة الأفاضل الساحة خالية لكل رأي أو طرح.. مسموم..!! وإزاء تساؤلات السائل الملحد، وهذا الملف الشائك “الملغوم”، هناك طريقان: إما مواجهة هذه الظاهرة، أو تركها تستفحل وتنمو وتتوغل!!

فقد استشرى “الإلحاد” بأنواعه ـ ملحد ولاديني وربوبي ولا أدري كما يصنّفون أنفسهم ـ في السنوات الأخيرة، وتحوّل من ظاهرة منبوذة إلى واقع محسوس موجود بيننا…سواء بملامح مكشوفة أو مضمرة متنكّرة..!!.. فمن الممكن أن ترى ملحدًا صريحا يجهر بإلحاده، أو ملحدًا مستترا يتكلم على الشاشات والسوشيال ميديا لكنك تستشف من خلال تنظيراته وأفكاره أنه…ملحد!! وتزايدت أعداد الملحدين.. فبتنا نراهم على مواقع التواصل، خاصة “تويتر”، بمناقشات وشُبهات ومناظرات كلها “تنحت” في جدار الإسلام وثوابته…فماذا نحن فاعلون..؟.. زد على ذلك جهات أخرى لا تدّخر جهدًا في تخصيص ميزانيات خيالية لإنتاج برامج مخصّصة تُبثّ من الخارج لإثارة الشبهات وطرح تساؤلات وعرض مخطوطات تطعن في الثوابت وتدفع من يسمعها ويراها للشكّ وبلبلة تفكيره..!!

فهل أصبنا أم أخطأنا في مواجهة هذا الواقع..؟..أعود لفضيلة الداعية، الذي رفض الإجابة عن سؤال الملحد، وقد اعتقد من وجهة نظره أنه بتجاهل تلك المعضلة سيتم القضاء عليها وتنتهي..أعتقد كغيره من العلماء أن الحجب والمنع والـ”block” هو الحل.. لكن العكس يحدث..!! وبتنا نرى جيلًا من الملحدين في اليوتيوب والفيس وتويتر..و…و..!! فإلى وقت قريب ما كاد أي “منشور إلحادي” يظهر حتى يلاقي وابلًا من الرصاص يستنكره ولا يتفاعل معه.. أما الآن فالمعادلة تغيّرت وأصبحت تلك “البوستات” تلقى تجاوبا وتفاعلا مثيرين للاستغراب..؟! 

العالم تغيّر، والزمن اختلف، والعلم تقدّم، وأصبحت المعلومة متاحة في كل مكان.. لذا فالمواجهة الكلاسيكية القديمة مع هذا الواقع لن تُجدي ولن تنفع.. أسلوب المنع والتعتيم على تلك القنوات والأفكار يدفع الشباب والصغار للبحث عنها والاستماع إليها في الخفاء..(الممنوع مرغوب)…فمن يردُّ..؟! الفكرة تقهرها الفكرة..والادعاء يقهره الدليل والشاهد..الإنسان لا يريد من يقول له “هذا الشخص مجنون أو جاهل”، بل يريد من يقنعه بأن “أفكار هذا الشخص غير صحيحة وضعيفة ومفخخة”.

هناك عامل جذري آخر ساعد في انزلاق بعض الشباب في أعماق هذا المستنقع الوخيم، وهو انهيار الصورة الوردية والمثل الأعلى اللذين كان يجسّدهما بعضُ العلماء، أو بعضُ ممن يُحسبون على العلماء، أو بعضُ الدخلاء الذين مكثوا سنين طويلة يقنعون الشباب بأفكار غريبة شاذة وهم ليسوا بفقهاء ولا علماء ولا متخصصين..!! منهم من تغيّرت فتاواه بمرور الزمن، ومنهم من تبرّأ من أفكاره الأولى متحججا بحجج واهية، ومنهم من فُضح “تسييسه للفتاوى”، أفتى بالقتل والجهاد والتكفير ليأتي بعد كل هذا ونُحور آلاف الأرواح البريئة.. ليقفز من سفينته الغارقة ويُتحفنا بأنه كان على خطأأأأأأأأأأ..!!

فتاوى “تهنئة غير المسلمين بأعيادهم”، أو حكم “أكل الفسيخ في شم النسيم”، وحكم “معاشرة الزوج لزوجته الميتة”..!!، وغيرها من الفتاوى.. ليست هي الشيء الأهمّ الذي يجب التفرّغ له.. بل نريد من يدمّر الدسائس والأفكار المبلبلة المستحدثة بأسلوب علمي مدروس مُفحم لأي طعن أو طاعن..؟!

الأزهر الشريف، حصن الرسالة والسد العالي في وجه هذا “التسونامي الإلحادي”، بقامته الفكرية وعلمائه الأجلّاء الدارسين بأسلوب علمي والمتفقّهين في دقائق الأمور والجزئيات، مطالبٌ بالردّ بكل شراسة على تلك الأفكار المسمومة، عبر رؤية ممنهجة تنسف الشُبهات نسفا. لا بد أن يتبصّر الشباب وخاصة المراهقين بما يحدث من حولهم..لا بد أن يفهموا دينهم جيدا بدون تشتيت، كي لا يعبث عابث بعقيدتهم.. يهزّها.. يرجّها..!! أما تجاهل هذا الواقع واعتباره كأنه غير موجود فليس حلًا، والكارثة ستتسع، وسنرى جيوشا من الملحدين موجودين بيننا ولا نعرفهم أو لاجئين في الخارج يبثون سهامهم نحونا……والحبل على الجرار!!   

أحمد كمال كامل        

[email protected]

تعليقات الفيسبوك