الكُنّاشة”معالي الباشا”..بقلم محمد سيف الدين

في أحد اللقاءات التي جمعتني بالسيد أنطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة وجهت له سؤالا حول موضوع معين وأثناء توجيه الحديث إليه قلت له “معاليك” .. وقبل أن يجيب قال لي الرجل: لو كنت في مكتبي لتم تغريمك مبلغ ألف دولار، لأنك سبقت كلامك معي بلفظة “معاليك” ، وفقا للقانون المتبع في المنظمة الأممية .. فقلت له: الحمد لله أنني لست في مكتبك الآن.. لكني تمنيت حينها أن أعيش في هذا المجتمع الذي يزيل الحواجز بين البشر ويساوي بين الناس ولو في الألقاب فقط.

من الخطوات المهمة في مسيرة الديمقراطية – إن أردنا تطبيقها- إلغاء مظاهر الطبقية خاصة في الأجهزة والمؤسسات الخدمية والتنفيذية فليس من المعقول أن أذهب لإنهاء معاملة فأخاطب من يخدمني بـ “معالي الباشا وسعادة البيه” أو ألقي على مسامعه ألفاظ التعظيم والتبجيل من قبيل “فخامتك، وحضرتك …”.

إن مثل هذه المسميات تنسي المسئول أنه في خدمة المواطن وتجعله ينظر إلى قيامه بمقتضيات وظيفته تفضلا على الناس، وأن منصبه، الذي “حفي” من أجل الوصول إليه والحصول عليه، وسيلة للتعالي في المجتمع والتكبر على خلق الله.

هل سأل أحد نفسه إذا أراد محادثة ضابط شرطة أو قاض أو مسئول في الحي الذي يقيم فيه ماذا سيقول له؟؟ هل سيناديه باسمه مجردا؟ هل سيطلب حاجته دون ديباجة منمقة تلين عقله وقلبه “ليتعطف ويتنازل” ويؤدي عمله؟!! أعتقد أن أياً منّا  لن يجد إلا “فلان باشا أو سعادة البيه”.

لا شك أننا بهذه المسميات ظلمنا أنفسنا ، وخلقنا حاجزا طبقيا بيننا وبين من يخدموننا.. ولكن للأسف: وضعنا أنفسنا في الطبقة الدنيا ورفعنا “من جاهد ليتم توظيفه في خدمتنا” بالمكانة الأعلى.. وياللعجب!!

إن إلغاء الألقاب وألفاظ التفخيم وغيرها مما يؤسس للطبقية والعنصرية في المؤسسات الحكومية والتعاملات اليومية يحتاج إلى تشريع قانوني سبقتنا إليه كثير من الدول الغربية بل والعربية أيضا.. ولا عجب أن كانت مصر سباقة في ذلك حين ألغت ثورة يوليو هذه الألقاب.. لكننا تراجعنا خطوات وخطوات في هذا الجانب.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إلغاء الألقاب يجب أن ينبع من إيمان كل واحد منا بمكانته وقيمته في المجتمع وبمعرفة قدره كإنسان كرمه الله، ويتساوى في الحقوق والواجبات مع غيره من البشر، كما ينبع من إيمان الإنسان بدينه الذي ساوى بين الناس، فلا فضل لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح.

إن التعامل مع المواطنين على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية ودرجاتهم العلمية  بأسمائهم لا يقلل من احترامهم ولا ينتقص من قدرهم وإذا أردنا المبالغة في الاحترام فلنقل “السيد” أو “السيدة” قبل الاسم فالسيد رئيس الجمهورية والسيد رئيس مجلس النواب والسيد رئيس مجلس الوزراء والسيد رئيس مجلس القضاء الأعلى لا ينقص من أهمية المنصب ، فهكذا يخاطب رئيس الولايات المتحدة الأميركية أقوى وأعلى منصب لرجل في العالم.

تعليقات الفيسبوك