لمحة تاريخية عن مذبحة الأرمن علي يد الدولة العثمانية وتنكرها تركيا






كتبت : كرستين عوض وهناء عوض


ما حدث لمذابح الأرمن والتي نفذتها الدولة العثمانية في عام 1915، ولا يزال النظام التركي ينكر تلك المجزرة، التي تعرف أيضا باسم ” المحرقة الأرمنية” او”المذبحة الأرمنية” أو الجريمة الكبرى، او ” الإبادة الجماعية للأرمن”، ما هي إلا جريمة من ابشع الجرائم التي ارتكبت في حق الإنسانية .
اكثرمن 100عام مرت علي ذكري ابشع المذابح في تاريخ البشرية، مذبحة الأرمن الذي راح ضحيتها 1.5مليون ارمني علي يد الأتراك، ويحيى الأرمن ذكرى المذبحة يوم 24 أبريل من كل عام ، ورغم ذلك تصر تركيا على أن سبب وفاة الأرمن هي ظروف الحرب العالمية الاولي والتهجير، وتم تمرير الفقرة 301 في القانون التركي في عام 2005 يجرم فيه الاعتراف بالمذابح في تركيا.

ما هي مذبحة إبادة الأرمن؟

هي عمليات قتل متعمد ومنهجي وتهجير ومجازر عشوائية وحرق وإبادة جماعية حدثت من قبل الدولة العثمانية في الفترة بين 1914، وحتى عام 1917، تجاه الأقلية الأرمنية في المناطق الشرقية من الدولة العثمانية، حتى اتخذوا من تلك المناطق أماكن لتجمعهم. بسبب شك القوات العثمانية في دعم الارمن لروسيا أثناء الحرب العالمية الأولى، وخلال هذه الفترة تم استهداف ومهاجمة وقتل مجموعات عرقية مسيحية أخرى منها السريان والكلدان والآشوريين واليونانيين البنطيين وغيرهم.
كما أن الأرمن في تلك الفترة أحد الأقليات التي تتمتع بموارد مالية ضخمة في الدولة، وزاد معهم نفوذ أقليات مسيحية أخرى، ومنهم السريان والكلدان والآشوريين واليونانيين البنطيين، مما زاد مخاوف الدولة العثمانية وعدد من الحركات التي رأت ضرورة التخلص منهم.
و رأت جماعة “تركيا الفتاة” وجود تهديد على الدولة من الفئات المسيحية، وأن وجودهما نتيجة تسامح الحكومات العثمانية السابقة، وساد القلق من زيادة نفوذهم وسيطرتهم على الدولة.
وقتها ألقت تركيا القبض على 600 مفكراً ومثقفاً أرمينياً ، ورحلتهم الى الشرق لتنفذ فيهم الإعدامات الجماعية شنقاً، مستهدفة تجريد الأرمن من رؤوسهم المفكرة حتى يسهل عليها إبادة من بقي منهم دون أدنى مواجهة، حيث كان القرار الذي تناول التخلص من النخب السياسية والاقتصادية والفكرية والدينية من الأطباء والمحامين والمدرسين والصحافيين والكتاب والسياسيين الأرمنين وغيرهم، حيث تم إعداد كشوف بأسمائهم وتم القبض على المئات منهم، وقتل بعضهم، وأرسل آخرون الى المعتقلات قبل قتلهم.
وقد تعرض الآلاف من الأرمن للتعذيب والضرب واغتصاب النساء، ومصادرة الممتلكات. وسيق الكثيرون منهم لمسافات طويلة في الجبال بلا طعام أو شراب، وتعرض المرحلون باستمرار إلى هجمات من البدو، وكذلك من حراسهم ، وبطبيعة ظروف الترحيل والتهجير القاسية، لقى مئات الآلاف من الأرمن حتفهم قبل وصولهم الى المخيمات ، بسبب التجويع والجفاف والتعرض للمخاطر أو الأمراض وهم في طريقهم الى صحراء حلب غير معلومين الجهة، فيما تسمي بـ”مسيرات الموت”، وتسلى الضباط الأتراك بالتنكيل بهم وتعذيبهم حتى الموت في الطريق.

وتندرج هذه المذبحة ضمن جرائم الإبادة الجماعية الأولى في التاريخ الحديث، وهي ثان أكبر قضية عن المذابح الجماعية بعد الهلوكوست (ضحايا القتل الجماعي للنظام النازي).
وبحسب تقييمات بعض المؤرخين فإن “الإبادة المنتظمة للأرمن” بدأت في نهاية القرن التاسع عشر، إذ يدور الحديث عن القتل الجماعي الذي وضع أساسه في أعوام 1894 – 1895 تحت حكم السلطان عبد الحميد الثاني ، بغية تقليص عدد الأرمن في تركيا والقضاء عليهم .
ويعتبر 24 أبريل عام 1915رسميا بداية لإبادة الأرمن الجماعية، إذ استمر القتل الجماعي في فترة حكم مصطفى كمال أتاتورك، حتى عام 1922، حين دخلت القوات التركية مدينة إزمير في سبتمبر عام 1922.
رافقت عملية الاستيلاء على المدينة مجزرة السكان من الأرمن واليونانيين، فحرقت الأحياء الأوروبية للمدينة تماما، واستمرت المجزرة 7 أيام.
كانت إبادة الأرمن جريمة تركية مشتركة، شارك فيها المسؤولون والشعب نفسه آنذاك، وكانت الثروات التي يمتلكها الأرمن دافعاً كبيراً ليكون الشعب التركي شريكاً في الجريمة مع حكومته، إذ استخدمت حكومة الاتحاد والترقي هذه الثروات لإقناع الرافضين لفكرة التخلي عن دولة الخلالفة، في محاولة لاسترضاء هؤلاء بإحلالهم محل الأرمن، يرثون ممتلكاتهم وأراضيهم ويستولون عليها بتسهيل من الحكومة المتطرفة.وكان أبرز مجرمى الإبادة بحق الأرمن: طلعت باشا (وزير الداخلية)، وإسماعيل أنور باشا (وزير الحرب)، وبهاء الدين صقر (المدير الميدانى للمنظمة الخاصة)، ومحمد ناظم (زعيم التخطيط الديموغرافى).
ويقدر مؤرخون أن مليوني أرمني كانوا يعيشون في أراضي الدولة العثمانية مع بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914. وبحلول عام 1922، انخفض عددهم إلى 400 ألف فقط.

من هم الأرمن ؟


هم شعوب تنتمي إلى العرق الآري “الهندو أوروبي”، ويشكلون أكثر من 95% من سكان أرمينيا، ولا توجد إحصائيات محددة بعددهم حول العالم، وأكبر التجمعات الأرمنية خارج أرمينيا في: (روسيا، فرنسا، إيران، أمريكا، جورجيا، سوريا، لبنان، الأرجنتين، أستراليا، كندا، اليونان، قبرص، فلسطين، بولندا، أوكرانيا).


• جمهورية أرمينيا :


هي بلد جبلي غير ساحلي يقع في القوقاز في أوراسيا، حيث تتوضع عند ملتقى غرب آسيا وشرق أوروبا. تحدها تركيا من الغرب وجورجيا من الشمال وجمهورية الأمر الواقع ناغورني كاراباخ وآذربيجان في الشرق، أما من الجنوب فتحدها إيران ومكتنف ناخيتشيفان الأذربيجاني، تقع أرمينيا في المرتفعات المحيطة بجبال أرارات، وتبلغ مساحة جمهورية أرمينيا 29,743 كيلومتر.

وكانت مملكة أرمينيا أول دولة تعتمد الديانة المسيحية دينا لها . وتعد أرمينيا واحدة من أقدم الحضارات المسيحية، إذ أسست كنائسها الأولى في القرن الرابع الميلادي. وفي القرون اللاحقة، وتناوب على السيطرة عليها البيزنطيون والفرس والمغول والأتراك، وتخللت هذه الفترات فترات من الاستقلال.
وخلال القرن السادس عشر اقتسمت الدولة العثمانية والدولة الصفوية أرمينيا فيما بينهما. بينما ضمت الإمبراطورية الروسية لاحقاً أرمينيا الشرقية .
وأرمينيا جمهورية سابقة من الاتحاد السوفيتي، وفي عام 1991 انهار الاتحاد السوفيتي واستعادت أرمينيا استقلالها، وحاليا تحكمها الديمقراطية والتعددية الحزبية .


• دور مصر بعد إبادة الارمن :


استقبلت مصر ما يقرب من 10 آلاف أرمني بعد التهجير، وعاشوا فيها كجزء من نسيجها الوطنى، ومنحتهم مصر الجنسية مثل باقى المصريين بصدور القانون فى 1929، إلا أنها سمحت لهم بالحفاظ على عرقيتهم، وإنشاء الكنائس الخاصة بهم وتكوين الجمعيات الخاصة بالأرمن وتمويلها والاحتفاظ بلغتهم أيضًا ، وهاجر أيضًا عدد منهم إلى سوريا، لبنان، والعراق.
ولم تكن جرائم الأتراك بحق الأرمن لتخرج إلى العلن لولا وصولها إلى القاهرة عبر كتاب للمحامى والمثقف السورى فائز الغصين، الذى وثق الجرائم التركية بحق الأرمن والتى شهدها الغصين بأم عينيه، وأرسلها إلى القاهرة فى كتاب مع تاجر هندى، ليتم طباعتها وتقديمها فى كتاب يوثق لتلك الجرائم.
ومنذ ان دخل الأرمن مصركانت لهم مساهمات إنسانية عظيمة على أرضها بشكل خاص، ففى عصر محمد على رفض أول وزير خارجية مصرى وهو أرمنى، ويدعى بغوص بك يوسبيان، التفريط فى سيناء، لدرجة أنه ضحى بمنصبه فى مواجهة الخليفة العثمانى، ورفض تسلم فرمان تعيين الخديوى عباس حلمى دون أن تكون سيناء ضمن الفرمان كجزء أصيل لمصر.

كما يوجد ايضا في تاريخ العمل الثقافى المصري أسماء أرمينية كثيرة، كان لها دورا بارزا فى الثقافة والفن والنحت، وكان من بينهم ، أديب إسحاق الذى أسس جريدة مصر والتجارة، وكان من أوائل من طالبوا بالقومية العربية، وألكسندر صاروخان، الذى أسس للكاريكاتير السياسى فى مصر واخترع شخصية “المصرى أفندى”، وحمل عليه هموم المصرى البسيط، وأسس بعدها “العربى أفندى” بظهور الوحدة مع سوريا.
ومنهم ايضا أوهان، مؤسس استديو الأهرام، وأول من اخترع الكاميرات التى صورت تحت الماء، وهو من قدم أفلاما رائعة عن الإسلام، دون حساسية كونه مسيحى أو أرمنى. كما كان تكفر أنطونيان من أهم منتجى السينما المصرية، وله أشهر الأفلام “أميرة حبى أنا” و”خلى بالك من زوزو” . ومن تاريخ السينما المصرية ايضا ، نذكر منهم الفنانات لبلبلة وأنوشكا ونيللى ، والطفلة المعجزة فيروز .
كما كان أرميان هو أول من قدم قاموس عن النبات فى مصر بـ9 لغات، فيما كان أزديان أول من عمل دراسة عن أزمة المياه فى مصر فى الثلاثينات وكانت باللغة الفرنسية.هذا بالإضافة إلى رائد الواقعية المصرية، الفنان التشكيلى يوفناتد ديمرجيان.

• اعترافات دولية بالجريمة التركية :

على مدار مرور قرن من الزمان علي حدوث هذه المذبحة، كانت هناك محاولات للاعتراف رسميا بإبادة الأرمن، إلا أن لعبة المصالح كانت تتدخل دائمًا لتؤجل هذا الحلم، وتؤجل معه إسقاط أقنعة أنقرة، ومحاسبتها على ما جنته بحق البشرية.
فعندما دخل الإنجليز إلى إسطنبول في 13 نوفمبر عام 1919، أثاروا المسألة الأرمنية وقبضوا على عدد من القادة الأتراك لمحاكمتهم، غير أن معظم المتهمين هربوا أو اختفوا فحكم عليهم بالإعدام غيابيا، ولم يتم إعدام سوى حاكم مدينة يوزغت الذي أباد مئات الأرمن.
وقد اعتمد أكثر من 20 بلداً وحوالي 48 ولاية أمريكية قرارات الاعتراف بالإبادة الأرمنية كحدث تاريخي ووصف الأحداث بالإبادة الجماعية. في 4 مارس 2010، صوتت لجنة من الكونغرس الاميركي بفارق ضئيل بأن الحادث كان في الواقع إبادة جماعية؛ في غضون دقائق أصدرت الحكومة التركية بيانا تنتقد “هذا القرار الذي يتهم الأمة التركية بجريمة لم ترتكبها”.
وقد استخدمت 30 بلدا فى العالم مصطلح “الإبادة الجماعية” لتوصيف المذبحة التى تعرض لها الأرمن، بينها دول كبرى مثل روسيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، إضافة إلى منظمات دينية وسياسية مثل الكنيسة الكاثوليكية والبرلمان الأوروبى،
كما أعلنت فرنسا يوم الرابع والعشرين من أبريل يوما وطنيا لتخليد ذكرى المذابح التي قام بها الأتراك خلال الحقبة العثمانية ضد الأرمن.
وجاء الإعلان في بيان ألقاه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أثناء العشاء السنوي للمجلس التنسيقي للمنظمات الأرمنية في فرنسا يوم 23 ابريل الماضي، تنفيذا لوعد انتخابي كان قد قطعه على نفسه.
وفي المقابل، نددت تركيا بالقرار. ونشر المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين بيانا اليوم، قال فيه إن ماكرون يواجه مشاكل داخلية في بلاده ويلجأ إلى “تحويل وقائع تاريخية إلى قضية سياسية لإنقاذ وضعه”.
وأثناء اجتماع الجمعية البرلمانية لحلف شمال الأطلسي في تركيا، في 12 أبريل الماضي، دخل وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، في مشادة مع النائبة الفرنسية، سونيا كريمي، بخصوص هذا الأمر.
ودائما ما كانت مذبحة الأرمن محل خلاف بين تركيا وفرنسا، التي تعتبر إنكار مذبحة الأرمن جريمة تستوجب عقوبة السجن لمدة سنة وغرامة قدرها 45 ألف يورو، وذلك بموجب قانون أقره البرلمان الفرنسي في ديسمبر 2011.

يذكر أن فرنسا كانت وجهة للكثير من الأرمن الذي رحلوا عن أراضي الدولة العثمانية في مطلع القرن العشرين. ويقيم بها حاليا حوالي نصف مليون أرمني، وهي جالية لها ثقل في الانتخابات.
يذكر أن هناك أكثر من 135 نصب تذكاري، موزعة على 25 بلدا، تخليدا لذكرى “الإبادة الجماعية” للأرمن
.






تعليقات الفيسبوك